الغزالي
99
إحياء علوم الدين
لأن ما صار ضروريا في حق شخص ، فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه . فالرياضة فيه تمنع العمل به ، وتضعف هيجانه في الباطن ، حتى لا يشتد التألم بالصبر عليه وأما القسم الثاني : فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه ، إذ يمكن إخراج حبه من القلب . وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر ، ومستقره الآخرة ، وإن الدنيا معبر يعبر عليها ، ويتزود منها قدر الضرورة ، وما وراء ذلك عليه وبال في وطنه ومستقره فيزهد في الدنيا ، ويمحو حبها عن قلبه . ولو كان للإنسان كلب لا يحبه ، لا يغضب إذا ضربه غيره . فالغضب تبع للحب . فالرياضة في هذا تنتهي إلى قمع أصل الغضب ، وهو نادر جدا وقد تنتهي إلى المنع من استعمال الغضب ، والعمل بموجبه ، وهو أهون فإن قلت : الضروري من القسم الأول التألم بفوات المحتاج إليه دون الغضب . فمن له شاة مثلا وهي قوته ، فماتت ، لا يغضب على أحد ، وإن كان يحصل فيه كراهة . وليس من ضرورة كل كراهة غضب ، فإن الإنسان يتألم بالفصد والحجامة ، ولا يغضب على الفصاد والحجام . فمن غلب عليه التوحيد ، حتى يرى الأشياء كلها بيد الله ومنه ، فلا يغضب على أحد من خلقه ، إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته ، كالقلم في يد الكاتب ، ومن وقع ملك بضرب رقبته لم يغضب على القلم ، فلا يغضب على من يذبح شاته التي هي قوته ، كما لا يغضب على موتها ، إذ يرى الذبح والموت من الله عز وجل ، فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ، ويندفع أيضا بحسن الظن باللَّه ، وهو أن يرى أن الكل من الله ، وأن الله لا يقدر له إلا ما فيه الخيرة وربما تكون الخيرة في مرضه ، وجوعه ، وجرحه وقتله ، فلا يغضب ، كما لا يغضب على الفصاد والحجام ، لأنه يرى أن الخيرة فيه . فنقول هذا على هذا الوجه غير محال ولكن غلبة التوحيد إلى هذا الحد ، إنما تكون كالبرق الخاطف ، تغلب في أحوال مختطفة ولا تدوم ، ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط ، رجوعا طبيعيا لا يندفع عنه . ولو تصور ذلك على الدوام لبشر ، لتصور لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] فإنه كان يغضب